ابن كثير

218

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا ، ثم تنتهي إلى غي وآثام » قال : قلت ما غي وآثام ؟ قال : قال : « بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار » وهما اللذان ذكرهما اللّه في كتابه أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وقوله في الفرقان : وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ الفرقان : 68 ] حديث غريب ورفعه منكر . وقوله : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات ، فإن اللّه يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله من ورثة جنة النعيم ، ولهذا قال : فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً وذلك لأن التوبة تجبّ ما قبلها ، وفي الحديث الآخر « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » « 1 » ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئا ، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها ، لأن ذلك ذهب هدرا وترك نسيا ، وذهب مجانا من كرم الكريم وحلم الحليم ، وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ - إلى قوله - وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ الفرقان : 68 - 70 ] . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 61 إلى 63 ] جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) يقول تعالى : الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات عدن ، أي إقامة التي وعد الرحمن عباده بظهر الغيب ، أي هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه ، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم . وقوله : إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره ، فإن اللّه لا يخلف الميعاد ولا يبدله ، كقوله : كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا [ المزمل : 18 ] أي كائنا لا محالة ، وقوله هاهنا : مَأْتِيًّا أي العباد صائرون إليه وسيأتونه ، ومنهم من قال مَأْتِيًّا بمعنى آتيا ، لأن كل ما أتاك فقد أتيته ، كما تقول العرب : أتت علي خمسون سنة ، وأتيت على خمسين سنة ، كلاهما بمعنى واحد . وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً أي هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له كما قد يوجد في الدنيا . وقوله : إِلَّا سَلاماً استثناء منقطع كقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [ الواقعة : 25 - 26 ] وقوله : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات لا أن هناك ليلا ونهارا ، ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار ، كما قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب 30 . ( 2 ) المسند 2 / 316 .